Monday, December 22, 2008

رقصة على إيقاع القهوة

 

أنظر إلى قطرات الماء المختلطة بالبن وهي تتساقط من فتحة فلتر الترشيح.. ويخطر ببالي وأنا أشعل سيجارة اليوم الأولى أن يمر هذا اليوم سريعا.. استيقظت في الثانية بعد الظهر بعد يومين كاملين من اليقظة والانشعال.. ملمس لحيتي النابتة لا يزعج يدي كثيرا اليوم

 

الريح تعوي خلف نافذة المطبخ.. ولكنني أشعر أنني أستطيع ترجمة العواء إلى نبرة أوبرالية مهيبة.. وارتجاعات الصوت المقدس تبدو لي اليوم وكأنها ترتد من سقف السماء استجابة لنداءاتي السابقة.. الله كم أحب قراءة بريدي السمائي

 

أحمل قهوتي وأعود إلى كتابتي وأشعر أن الكلمات تنساب برشاقة لا تتناسب والجو العاصف والكآبة التي صببتها في فنجاني وأطفأت بقاياها في المطفأة.. فأكتب حبا.. أكتب سعادة حقيقية.. وأتأمل ما كتبت فأكتشف أن الكتابة إذ استعصت كانت تخالفني الرأي.. واختلاف الرأي لا يفسد ود الحروف

 

تتقافز الأفكار في رأسي وترسم صورة غائمة لوجه حبيبتي فأشعر بالبداية الرسمية لليوم.. بالبداية الشرعية.. بالبوابة الرئيسية لمملكة السماء.. وأعيد الاستماع إلى الأوبرا السمائية وقد وصلت إلى حركتها الثالثة.. وأقرأ بين سطوري قصتي الثانية فأمد أصابعي في قلبي وأبحث عن نفسي الثانية وأطمئن عندما لا أجد غيرها

 

أطمئن عندما أعرف أنني أسعد مما أتصور.. وأن مكنونات الحياة التي تنقذف في صدري كل يوم ليست سوى ترجمة للنغمة المقدسة ولصورة حبيبتي الغائمة ولو تسربت الحقيقة في ثنايا القهوة وعصف الريح خارج النافذة

Sunday, December 14, 2008

وهم المسرح المركب

 

فرانسيز بيكون يتحدث عن وهم المسرح.. يصفق خمسة من المتفرجين.. فيضج المسرح بالتصفيق.. كم رائع هذا المشهد.. ويبكي خمسة فيبكي الجمهور.. ويصفق.. ويضحك نفس الخمسة.. فتضحك القاعة وتصفق..

  

هذا دور الجمهور في التمثيل.. أستأذنكم.. سألعب أمامكم فاصلا كوميديا.. سأمثل دور المهرج.. انتظروني

  

"يا مولاي الملك.. أنت تخدع نفسك باللبس الزائف.. ليست عليك عباءة.. وعورتك أكشف من ضآلة نفسك.. إني أراك.. وأرى عريك وأرى نفاق الناس.. نفاق الرعية.. والحق أنك مفلس.. وخاو كخزينة الحق في صدرك.. يا مولاي الملك.. ما كنت يوما مؤمنا بالشريعة.. ولكن الله احتل دورا مربكا في المملكة.. وغريب أمر المطلق عندما يلعب دور عفريت العلبة"

  

ألا تضحكون؟؟ ألا تبكون؟؟ ألا تصفقون؟؟

  

إذا فانتظروني.. سأؤدي دورا تراجيديا..

 

 "ما كنت يا كيخوت تدري أن القداسة ربما تلد اللواطة.. هذا ليس كلامي..  هذا  يوم تفتح فيه عينيك على نفسك.. وترى تحت رمال الغيبوبة نفسك ترقص مذبوحا.. والجماهير تسبح كل مساء بحمد الملك العاري وتلعن ثورتك.. ولكنك  يا كيخوت ما كنت تعرف أن حصانك من خشب.. وأن سيفك من خشب.. وأنك نفسك من خشب.. ستكون يا فارس النور الوهمي بنفسك أول جيش يوقع وثيقة استسلام لطواحين الهواء"

 

لست تراجيديا بما فيه الكفاية؟؟ عفوا عفوا.. أعتذر لكم.. هل ألعب لكم تلك التراجيديا التقليدية؟؟ صخرة سيزيف التي يحملها منفردا ويسقط بها منفردا؟؟ لا لا .. أنا لا أتكرر.. ولا أعيد الأدوار ولو كانت ناجحة

  

عندي فقرة استعراضية.. سأستعرض أمامكم الآن لحظة نشوة غير قياسية

  

" كاليجولا...أنا النشوة.. أتكرر كل خميس وعندما تمتد في الظلمة يد تحتضن البرد من الخلف.. أرقص في رعشة موت وحياة.. وأبتسم.. لا تصدقوني عندما تروا نزيفي.. هذا نزيف من مساحيق المسرح مخلوط بالماء والجلسرين.. أنا أسعى في مسارين.. وجنوني لا ضابط له.. وهويتي سطحية في أعمق قاع للخدعة"

  

أخلع القناع فيضحك الجمهور من وجهي الحقيقي ويصفق للمهزلة.. وأنحني تحية فتبكي القاعة لانحنائي

Friday, December 05, 2008

رسالة حب شريرة


لماذا لا تكون هناك فرصة كي أحبك مرة ثانية؟؟
هل لأنني أحببتك أول مرة؟؟
وهل يكفي هذا السبب كي لا أنال فرصة ثانية؟
هل لأنني أول العاشقين أحرم من أن أخوض نفس التجربة
وأبحر في عينيك نفس الرحلة وأصل إلى نفس الشاطئ مرة ثانية؟؟
فلتحكمي أنت ولتقرري بنفسك
ألم تكن القبلة الثانية أرحب من بطن السماء؟
ألم يكن طفلنا الثاني اجمل من طفلنا الأول
وكان تكرار الغطس في النهر أجمل من تجارب الغرق الأولى
وكان الطيران بالأجنحة أكثر سهولة من أيام الزغب الأصفر؟
لن ينفعك الجدل كثيرا يا حبيبتي الأولى وحبيبتي الثانية
فلن أتوقف عند مرتين
وسأحبك حتى المرة الألفين وحتى نهاية الأرقام
فمثلك يا حبيبتي لا تكفيها من رجل مثلي قصة حب واحدة
---
أعترف لك يا حبيبتي اعترافا أخيرا
تلك الرسالة الغرامية
تلك التي جاءتك مع باقة من السحر هذا الصباح
انا كاتبها وموقعها بالاسم المزيف
وكل الرسائل الزرق التي طرقت بريدك
أنا أرسلتها
وكل ما يأتيك من شعر ومن نثر ومن صمت
انا كل صباح اعطره بدمعي وأرسله
انا لن أتراجع يا حبيبتي حتى احطم الرقم القياسي
وأحمل الشرف الأولمبي
وبعدها انام مستقرا
وأصحو في الصباح التالي
لأكرر المحاولة

ذاكرة الاحتــــراق


أتناول فنجان قهوتي الصباحية عن الطاولة
تقفز إلى خياشيمي رائحة البن المحترق.. ذلك الاحتراق الذي يكسب القهوة الأمريكية هذا الطعم الرخيص الذي أعتبره أفضل عبير للقاء اليوم القادم
اكتشفت هذا الصباح يا حبيبتي أنني أحب رائحة القهوة أكثر مما أحب طعمها
اكتشفت أيتها العزيزة أن رائحة القهوة التي أتيتني بها ذلك اليوم لم تفارقني.. واكتشفت أنك تسكنين كل الروائح في حياتي.. وتدخلين مع رائحة البن المحترق والسجائر المحترقة إلى شعري وإلى ملابسي وإلى أثاث غرفتي فتصبحين يا حبيبتي جزءا من ذاكرة المكان والزمان وجزءا من ذاكرة الاحتراق
ما أصعب أن تسكن امرأة مثلك قدح القهوة اليومي.. ما أصعب أن تقيم امرأة مثلك في عادتي التي لا تنقطع.. ما أصعب أن تختلطي بطعم التبغ في لساني وتزاحمي بكل ما فيك من نكهة خارقة طعم نكهة بداية الصباح
وتعيدين تعريف الفارق بين المعتاد والمدمن

تذكرة ذهاب إلى مدريد بلا عودة


حبيبتي لقد حزمت أمري وحزمت أمتعي واتخذت قراري
أنا قادم إليك في مدريد
لم تعد سماء القاهرة قادرة على تحمل زفراتي الليلية.. وضجت المدينة المزدحمة الملوثة بما في صدري من دخان لم أكن أتصور أن عاما واحدا يفصلنا يمكن أن يكون بهذا الطول ولا أن يكون الزمن خلاله بهذه الكثافة
عام واحد اتفقنا أن يكون فرصة لكل منا كي يكتشف بنفسه كيف يمكن أن تنمو جذور الحب كالصبار دونما دافع ودونما هدف.. وكي يقيس كل منا بجسده وببهجة السقوط عمق الهاوية التي تفصلنا.. وكم كنت ساذجا عندما تصورت أن العام ممكن.. وكم كنت ساذجة عندما تصورت أن مئات الشموس تمر عليك وحدك ومئات الأقمار تمر علي وحدي دون أن تنهار قدرة أينا على المقاومة.. ودون أن أنزع قميصي عني وأرمي بنفسي إلى البحر وآتيك سابحا إلى مدريد.. ولعلي سألقاك في منتصف الطريق
هاهي مقاومتي تنهار يا حبيبتي وهأنا استسلم لأول موجة اكتئاب ووحدة تضربني.. وهأنا أضع بإهمال كل ما أملك من فتات الحياة في حقيبة الظهر وأضع نظارتي الشمسية وكتابا كنت قد اشتريته ولم أستطع قراءته وحدي وأنتظر أن تقرأي لي منه كعادتك فصلا قبل النوم.. وأحضرت لك من القاهرة بعضا من طعم الزحام وقلادة فضية صنعتها بنفسي كما تحبين.. وحزمت كذلك أوراقنا وأقلامنا الملونة.. فأنا قد نسيت كيف أرسم منفردا وأنوي حين أصل إلى مدريد أن نستعيد جلسات الطفولة الشمسية حيث نلقي الألوان على الورق حسبما اتفق ودون تخطيط ولنصنع لوحاتنا النادرة ونوقعها كالعادة معا بالأحرف الأولى
أنا الآن أسود لك رسالة أخيرة قبل أن أنطلق في طريقي إلى المطار بعد ان اشتريت لنفسي بطاقة سفر ذهاب بلا عودة.. لقد حزمت أمتعتي يا حبيبتي وقررت نهائيا أن أبقى إلى جوارك في مدريد أو في الصين أو حتى في القمر.. فحياتي بدونك رمادية لا لون لها

تجربة فاشلة للاستقلال عن عينيك


بالأمس يا حبيبتي أجريت تجربة مهمة
بالبحث العلمي كيف يمكن أن أنتزعك من حياتي
لا تجزعي يا حبيبتي فلست أدرس الخيار المخيف.. ولكنني كنت أسعى في أغوار نفسي بحثا عن شيء يمكن أن يستقل عنك.. عن أي شيء يمكن أن يأتي عليه نهار جديد دون أن تدق أجراسه ابتهاجا بقدومك النادر
كنت أستمع صباح اليوم إلى واحدة من أغنياتنا المشتركة.. تلك الأغاني الي أعادت لقاءاتنا كتابة كلماتها على قياس قصتنا الرائعة.. وفكرت إذا ما أتى يوم لا أجدك فيه، كيف يمكن أن تستحضرك الأغنية
يا رفيقة العمر لقد أصبح العمر بعدك مختلطا بعطرك كما عطرك يختلط بقمصاني فلا ينفصلان
أصبح الأمر موازيا للمستحيل أن أمسح عن ذاكرتي بعضا من أحمر الشفاة كما كنت أمسحه عن شفتي
ما أسهل أن تزيلي عن جبيني المرهق بعضا من غبار السفر، وكم صعب أن تزيل بحار العالم أيا من غبار رحلتنا الطويلة القصيرة..يا صغيرتي الأثيرة، نحن ما عدنا ننفصل، وأصبح اختلاطنا تحديا أمام كل محاولة يحملها الغيب في رحمه
القذر.. أصبح اختلاطنا حياة مستقلة تسكن ما كانت يوما ما حياتي الخاوية.. أصبح اختلاطنا قدرا يخرج لسانه لأقدار التذويب والفصل والتفريق.. وأصبحت أنت يا حبيبتي الحقيقية.. يا حبيبتي الصادقة والأبدية الثابت الوحيد في المعادلة، وكل ما في حياتي يدور، راضيا، حولك سعيدا بفلكه المميز
بالأمس أيضا جربت أن أقضي يوما دون أن أتذكرك، فقط من باب الممارسة.. هل تصدقين يا حبيبتي أن اليوم مضى وأنا أبحث في زوايا الذاكرة عن مساحة بيضاء أختفي فيها من حضورك؟؟ وفشلت التجربة
كان الأمس يوما عالميا للفشل وكم كنت سعيدا أنني اكتشفت كيف تستحيل حياتي بدونك فبعدك يا حبيبتي لا حاجة لي بالأغنية ولا بأحمر الشفاة ولا العطور.. بعدك يا حبيبتي لا حاجة لي بالحياة

فراغك الذي لا يملأه النوم


عندي وجع جديد في صدري هذا الصباح.. لم أقم من فراشي وأواصل التقلب وأعيد التفكير في جدوى اسطوانية جسدي.. شربت ذبالة قهوة بقيت من الأمس إلى جواري
لا حاجة للإفطار اليوم.. لا أشعر بعد شهرين مضوا على سفرك البعيد بضرورة حقيقة للإفطار.. أدور دورة طولية في الفراش وأضع الحشية التي ضاعت في الشراشف البيضاء بين ذراعي.. واستنشق فيها رائحتك الغائبة وعندما لا أجدك استلقي على ظهري كلية واتطلع إلى الشباك الذي وقفت عليه عصفورة تنقر على الزجاج بقايا من قلبي
ذبلت على الشباك نبتتك الصغيرة.. قلت لك يا حبيبتي.. هذا ليس موسم الحناء.. فخصبها طفولي في مطلع الشتاء.. أفضل أن أتركها جافة عن أن أكون أنا قاتلها.. زهورك أيضا على صيوان المكتب ذبلت وكنت قد كتبت بها رسالة عن أسرتنا الكبيرة.. لم يبق بينها سوى الزهرة الكبيرة البيضاء.. حبنا.. ما زالت صبية كما كانت أول يوم يبدو أنني قررت أن أبقى في الفراش حتى الظهيرة وربما بعدها.. والنوم يأتي قريبا ولا يطرق بابي بجدية تستحق الاستجابة.. ووحدي يا حبيبتي لا أجد كلاما أقوله.. وأواصل التحديق في فراغ الغرفة دون هدف حتى تتكاسل عيناي في النهاية وتحط بسلام على زهرتك البيضاء الكبيرة فأبتسم

رسالة كنا قد نسيناها على الطاولة

حبيبتي الغالية، فجأة يا حبيبتي أصبح الهواء كثيفا كالزيت وأصبح التنفس عبئا، وأصبحت أحس انني أحمل على كتفي ألف عام وأن الشيخوخة تزحف حثيثا إلى رأسي وتجفف فيه الأفكارتعرفين يا حبيبتي أنك انت ملهمتي، ولعلك تلاحظين سوء الأسلوب واللغة في رسالتي تلك.. فأنا أقل كثيرا من حالتي حينما لا تكونين جواري

آه لو تعرفين كيف تعاندني عقارب الساعة وكيف تخرج لي لسانها الرفيع كلما انتزعت منها تكة أو انتزعت مني تكة..أكتب إليك اليوم أصف كيف الحياة بدونك تكون رمادية، أكثر مللا من ساعات السجن، وأكثر إحباطا من الصباحات الشتائية التي لا تطلع فيها الشمس

مضى يومان كاملان ولم أرك، وفقد الاشتياق لذته التي يضخها في عظام الظهر والصدر والأكتاف، وتحولت اللذة إلى ألم دافئ يخنق القلب في موضعه ويحرمه من متعة الاستقرار
ساءت أخلاقي كثيرا في اليومين الماضيين.. وبدأت أدخن وكأنني قطار بخاري يسابق رقما قياسيا في الاحتراق

بالأمس تذكرت مربعا معينا في وجهك بطول وعرض بوصة واحدة.. الله كم تصبح البوصة الواحدة برحابة السماء وكيف تتحمل كل هذه التفاصيل .. وضعت قبلة وجلة فوق هذا المربع قبل أن أعيده ملفوفا في كيسه المخملي إلى ذاكرتي الدائمة وأعود منها بمربع آخر أدرس عليه مقدمة في علم جغرافيا المحيطات

بالأمس أيضا صنعت بنفسي قهوة الصباح.. وكنت قلت لك إنك تسكنين عادة القهوة الصباحية.. وإنك مشرشة في فصولها البنية وبين أنسجة الإفاقة والصحو.. وللمناسبة.. لم يكن للإفطار طعم بدونك انت رائحة الخبز الطازج.. ولولاك لألغي الإفطار

لا تظني أنني أعاتبك على الابتعاد.. أنا فقط أرسل لك حصتك اليومية من ثرثرتي التي لا تتوقف معك أبدا حتى لو اضطررت أحيانا لإعادة نفس الحكايات التي كنا رويناها.. وها أنت تقرأين الآن كما كنت تسمعين.. وأكاد أرى الابتسامة كما هي على وجهك
انتظر خطابك يا حبيبتي على أحر من قلبي.. أكتبي اي شيء .. أكتبي كل شيء
حدثيني كيف تكون أيامك بدوني.. وكيف ساءت علاقتك بعقارب الساعة وكيف تذكرين وجهي الغائب وكيف تغيرت لديك عادات الإفطار والتدخين والقهوة

رائحة الحيــــــاة


حبيبتي لي زمان لم أكتب إليك
ربما مر شهر على رسالتي الأخيرة.. وكلما فكرت في الكتابة إليك.. بحثت عن تلك الكلمات التي يمكن أن تنسج لك رسالة استغفار..
فكرت صباح اليوم أن أكتب لك قصيدة.. ثم عدت وتراجعت
لماذا تحتاج قصيدة مثلك إلى قصيدة
حبيبتي
أشعر أن كلماتي تتناقص.. وأن قدرتي على الخيال تتناقص.. وأن قلبي في صدري يشيخ .. وأنني أموت صباح كل يوم مرتين
وتصوري
كل ما حولي هنا أيضا يموت.. ولم تعد لخبز الصباح الطازج رائحة
ولم تعد للبحر ولا للمطر رائحة
والزحام يعاني الوحدة
وصدح الشوارع أهدأ من القبور
ولا أحرز تقدما في العمل
فلا أنا ولا شيء يا حبيبتي يمكن أن يحيا بعيدا عنك

الورطــــــة


قال لها يوم اللقاء الأول إنه يحبها بما يغفر لها ما تقدم وما تأخر
.. وإنه ما دام قد أعلن حبه لها فلا شيء يرجعه عن اختياره
وتسأله اليوم إذا ما كان يشعر أنه تورط..
وأنه يتمسك بها تمسكه بوعده لا أكثر
نظر إليها في عجب..
كم صادم أنها لم تفهمه حتى اليوم
يا حبيبتي انا لست متورطا
الدنيا كلها متورطة فيكي
عندما أحببتك أصبحت أنت القانون
واصبح أي شيء تفعلينه شرعيا بل ومنطقيا
وأصبحت كل خطاياك ضربا من ضروب الفلسفة
أصبحت سقطاتك حقبة إبداعية ودرسا في التجريب
عندما أحببتك أصبحت أنت كل النساء
أي امرأة أطول منك طويلة
أي امرأة أقصر منك قصيرة
أي امرأة أكبر منك مسنة
أصغر منك طفلة عديمة التجربة
صرت أنت المقياس الذي تفرز على أساسه كل النساء
وصرت أبحث عنك في كل النساء
هنا شفة وهناك طرف عين ولدى المليحة لون لا يقارن
ولو وجدت نسخة ثانية منك لأحببتها نفس الحب
عندما اتخذت قراري أي أحبك تحدد مصيري
أصبحت أنا ما تقررين
وأصبحت الدنيا كلها ما تقررين
لو كان قرارك أن أزرق السماء ممل ورتيب
فليكن.. هو بالفعل ممل ورتيب
أو كان قرارك أني أنا ممل ورتيب
فليكن.. أنا أيضا لم ألق في حياتي رجلا ثرثارا مثلي
لو كان رأيك أني شخص ممتع
أني أروي أحلامي بالتفصيل
أني أقدر أن أجمع كل الكلمات في عبارة
فأنا أيضا أشعر أنني أجمل رجل في الدنيا
وصاحب التسلية المطلقة
ما تقررين يا حبيبتي يكون هو الأمر الواقع والحقيقة

توســـــــــــــت


السر في ملعقة السكر الإضافية التي يضعها في خلطة التوست الفرنسي.. نقرة رشيقة على باب الشقة.. لا مجال للمفاجئات بعد اختراع الموبايل.. فقد هاتفته قبل دقيقة واحدة تقول إنها في طريقها إليه.. لم تبق في الإفطار سوى لمسات نهائية.. يفتح الباب ويلقي بنفسه في حضنها الدافئ لينسحب منه بسرعة مصطنعة متحججا بخوفه من احتراق الأومليت على نار الموقد..يسبقها إلى المطبخ ممسكا بأطراف أصابعها بينما تنظر هي إلى تفاصيل المكان الحقير وإن كانت لم تستطع كتم إعجابها بتنظيمه الدقيق لأدواته في المطبخ.. كل شيئ في مكانه وكأنه على وشك تصوير إعلان من إعلانات الزيت أو المطابخ..ترفع نظارتها الشمسية الفاخرة على شعرها الذي ما زالت آثار الغسيل الصباحي تكسو خشونته الأصلية وتغطي رائحته الطبيعية القوية..رقصة التزاوج لا تخطئها عين.. هو يقف بثبات مصطنع ويحاول أن يقنع شخصا وهميا بأنه منهمك في إعداد الإفطار بينما هي تعيد اختراع التانجو من حوله.. دورة في اتجاه عقارب الساعة.. ودورتان في الاتجاه المعاكس..ثم نصف دورة تمر فيها من تحت ذراعه التي يمسك بها السكين.. تتعمد أن تمر بين خطر السكين وخطر جسده الذي بدأت علامات الاستثارة تظهر فيه من تحت الملابس... ينظر إلى بقايا التوست الذي أوشك على الاحتراق في المقلاة نظرة مسروقة بين قبلتين.. ثم ينظر إلى شفتيها فتختلط عليه فكرة السخونة.. ثم يلتفت بلا مبالاة إلى التوست الذي اقترب لونه من التفحم .. ويقول في نفسه: لكل دوره في الاحتراق

Friday, November 02, 2007

الدمــــــــار الشــــــامل


قصة قصيرة من وحي ثلاث ساعات قضيتها على كوبري أكتوبر، شريان المرور المتكلس في القاهرة

حمل إفرايم حقيبته السوداء الصغير من فوق المنضدة ثم انتفض واقفا في نشاط واضح، ونظر بقسوة من وراء نظارته الشمسية الداكنة إلى زملائه الثلاثة الذين بدوا جميعا معه كنسخ متطابقة لشخص واحد يرتدي سترة سوداء حالكة وربطة عنق سوداء أيضا على قميص أبيض يبدو أنه خرج لتوه من تغليفه الأصلي

وسحب كل منهم حقيبته التي كانت متطابقة مع حقيبة إفرايم، وخرجوا في صمت وجدية الواحد تلو الآخر من باب الشقة التي تقع في الطابق الثاني في بناية من طابقين في ضاحية المعادي الهادئة

هبط الثلاثة على سلم البناية وكان الواحد منهم إذا خرج من البوابة الحديدية للبناية انطلق في اتجاه مختلف عن الاتجاه الذي سلكه زملاؤه من قبله، وبدا أن كل واحد منهم يعرف بدقة إلى أن يذهب وماذا يفعل

علامات القسوة وانعدام المشاعر تتقافز على وجه مائير وهو يطلب من سائق التاكسي أن يقله إلى الشرابية، ويرد على السائق ببرود قائلا: هم خمستاشر جنيه مافيش غيرهم، عاجبك شغال، مش عاجبك وسع للي جاي وراك

مد السائق يده إلى مقبض الباب الداخلي يفتحه لمائير الذي كان من العجرفة بما جعله ينظر إلى الباب ولا يمد يده اليمنى ليفتحه، بينما قبضت يده اليسرى على الحقيبة الجلدية الصغيرة بحزم

انطلقت السيارة في طريقها، ولم يتوقف السائق عن الكلام عن الظروف والأحوال والمعايش والمدارس ورمضان والعيد وأمناء الشرطة الذين أصبحوا كالمنشار الذي يأكل في اللحم الحي طالعا ونازلا

السائق يتكلم، ومائير يبدو كالإنسان الآلي، لا يرد ولا تظهر على وجهه البليد المتجمد أي علامة على التجاوب

عندما وصلت السيارة إلى كورنيش النيل، وبالتحديد أمام مبنى الحزب الوطني والمجلس القومي للمرأة، سأل السائق مائير، فين في الشرابية
رد مائير بنفس الدرجة من البرود: أكتوبر، أكتوبر إيه يا أستاذ؟ انت سيادتك مش قلت الشرابية؟، أيوة أنا عايز أروح كوبري أكتوبر فوق الشرابية، أكتوبر أكتوبر

أذعن السائق وهو يهز رأسه عجبا من خرق ذلك الشاب الأنيق الذي بدأ رحلته من المعادي ويريد أن ينهيها فوق الكوبري.. كوبري أكتوبر يا عالم ياهو، ولا على إيه؟ يمكن هاياخد مكروباظ من فوق رايح في أي داهية بوش أمه العكر

وقف التاكسي في فوق كوبري أكتوبر بعد بضعة أمتار من المدخل المعروف بنزلة الشرابية، وتحمل السائق لعنات كل القادمين من ورائه الذين ذكروا القحبة التي أنجبته بالخير تحية لذلك التوقف المفاجئ في مكان لا يتوقف فيه أحد، ولكن السائق صبر حتى عد مائير الأجرة جنيهات خمسة عشر من جنيهات العيد الجديدة

وقف مائير فوق الكوبري، وظهر على وجهه شعور يشبه الارتياح عندما أيقن أنه يقف في المكان المناسب تماما لتنفيذ ما جاء من أجله.. قبض على الحقيبة بتوتر، وبدأ وجهه يختلج وهو ينظر إلى بقعة محددة في منتصف الحارة اليمنى لذلك الجزء الضيق من الكوبري

في نفس اللحظة كان إفرايم يقف ممسكا بحقيبته في مفترق الطرق في منتصف طريق صلاح سالم لدى صعوده إلى الكوبري الغبي المدعو كوبري ألماظة، وعلى وجهه نفس علامات الارتياح المختلط بالتوتر، وكان موشى يقف حاملا الحقيبة في طريق جسر السويس عند بتاع البن، بينما فضل رامون السير على أقدامه حتى وصل إلى كورنيش المعادي أمام السلطانة

الأربعة ينظرون في ساعاتهم وعقاربها تتحرك معا ببطء نحو الثانية ظهرا، والجميع في انتظار اللحظة الحاسمة

وصلت عقارب الساعة إلى الثانية، وفي نفس اللحظة دقت الهواتف المحمولة في جيوب عملاء الموساد الأربعة، ولم يمد أي منهم يده إلى الجيب الدخلي للسترة ليلتقط هاتفه، وكان من الواضح أن المقصود من هذا الاتصال هو الرنة فقط التي ستؤكد على العملاء الأربعة موعد ساعة الصفر

المشهد القادم بتم بالحركة البطيئة للضرورة الفنية

الأربعة يتحركون في حركات متشابهة تماما، كل واحد منهم يفتح حقيبته الجلدية الصغيرة، ويخرج منها "قالب طوب أحمر" ويسرع بحركة مدروسة ليضع قالب الطوب في منتصف الشارع الذي وقف أمامه، وفي حركة يبدو أنهم تدربوا عليها جيدا، طوى كل واحد منهم حقيبته الجلدية ووضعها في جيب داخلي للسترة السوداء بينما تتجه عدسة الراوي إلى قالب الطوب المستقر على الأسفلت وتثبت على دائرة نقشت على القالب عندما كان عجينة طفلية قبل حرقه.. طوب النجار

دقائق قليلة وتنهار شبكات المحمول الثلاث، فسكان القاهرة جميعا يحاولون الاتصال ببعضهم بعد التعطل الرهيب الذي شل القاهرة تماما، فقد انقطعت سبل المواصلات بين القاهرة والجيزة، وبين المعادي والقاهرة وبين شرق القاهرة وغربها تماما، وتوقفت السيارات في الشوارع المستهدفة فجأة، ثم بدأت الشوارع الأخرى تتعطل هي الأخرى بعد أن سرى الشلل في شرايين العاصمة نتيجة للعمل الإرهابي المنظم

لم يتغير الحال لساعات، فالمواطنون على الطرق التي ضربها العمل الإرهابي الآثم بالطبع لم يتحركوا لإزالة قالب الطوب، فكل شخص ينتظر أن يقوم شخص آخر بهذه المبادرة حتى يتمكن هو من المرور قبل فاعل الخير، ومعظم الناس ينتظر أن تتحرك سلطات الأمن لإزالة العدوان على حركة السير والمرور في العاصمة، بينما اجتمعت السلطات الأمنية بكافة طبقاتها لدراسة الموقف ومحاولة الوصول إلى خطة للتصدي للعمل الإرهابي وللحيلولة دون تكراره

وفي هذا الوقت كان عملاء الموساد الأربعة يركبون دراجات هوائية، ويزحفون كل من موقعه على الأرصفة وفي الشوارع الضيقة في اتجاه مطار القاهرة ليصلوا إلى المطار في توقيت واحد مدروس وينتهون جميعا على متن طائرة الخطوط الإيطالية المتجهة إلى ميلانو ثم إلى لندن، وبينما كانت الطائرة تحلق في أجواء القاهرة، كان إفرايم ينظر إلى أسفل حيث تجمدت الحياة في القاهرة تماما، وربما إلى الأبد، وبمجرد أن سمع العملاء الأربعة صوت الطيار وهو يعلن في إنجليزية طريفة عن خروج الطائرة من المجال الجوي المصري، تهللت وجوههم واحتضنت نظرات كل منهم الآخر في ابتهاج

وبينما كانت الطائرة تتلاشى في الفضاء الواسع، رفع إفرايم إبهام يده اليمنى إلى أعلى علامة الإجادة والتأكيد، بينما أمسكت يده اليسرى بكأس من التمر هندي كان قد ملأها للتو من كيس اشتراه من أحد الباعة المتلطعين على طريق المطار أثناء رحلته للحاق بالطائرة، وتوقفت الحياة في القاهرة ودبت في حركة الأيدي التي تقاربت لتنقر الكؤوس في بعضها البعض نخب الخطة الدقيقة التي دمرت العاصمة المصرية في لحظات

Friday, September 21, 2007

الوصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــول



أول رحلة جوية قمت بها في حياتي كانت من القاهرة إلى الجزائر، حيث طلبت مني الإذاعة العالمية التي أعمل بها أن أذهب إلى هذا البلد الجميل كي أغطي أحداث دورة الألعاب العربية، ونظرا لسوء تخطيط الرحلة، ولأن كل خطواتها جرت في اللحظات الأخيرة، لم تعثر سكرتيرة المكتب في القاهرة على وسيلة لسفري إلى الجزائر سوى مقعد في درجة رجال الأعمال على متن طائرة مصر للطيران، وهي درجة في السفر لا ينالها إلا علية القوم من المسؤولين ورجال الأعمال
وأنا ربما أكون رجلا، إلا أنني بالتأكيد لست رجل أعمال

وبجانبي كان يجلس وزير الشباب والرياضة المصري قبل أن يعين وزيرا للإعلام، أنس الفقي، ورئيس اللجنة الأولمبية العربية وعدد من المسؤولين العرب الذين كانت القاهرة محطة خلال رحلتهم إلى العاصمة البيضاء التي ما إن وصلنا إليها حتى فتحت أبوابها عن سجاجيد حمر وصفوف من حرس التشريفات والمساعدين الذين كانت مهمتهم استقبال كبار الزوار وأنا من بينهم، لا لشيء إلا لأن الصدفة وضعتني في معية الوزير

تذكرت هذه الرحلة وأنا على متن إحدى طائرات الأمم المتحدة المتجهة إلى مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، منتحلا شخصية باحث تنقية مياه في منظمة اليونيسيف، وهي المنظمة التي سهلت دخولي إلى دارفور دون أن تعرف السلطات السودانية أنني صحفي

الطائرة بها اثنا عشر مقعدا، وحجمها صغير لدرجة أننا لم نستطع أن ندخلها ونسير في بطنها إلى أماكننا إلا بعد أن انحنينا، ولدرجة أن الشاب البلغاري الأشقر الذي كان يقود الطائرة مع مساعد نرويجي جلس القرفصاء على أرض الطائرة حتى يطلعنا على إجراءات الأمان
الإجراءات طويلة ومعقدة شأن كافة إجراءات الأمان والسلامة التي تعمل بها الأمم المتحدة على كافة مركباتها ولو كانت سيارة، وعندما أشار قائد الطائرة إلى حقيبة أنيقة متوسطة الحجم لونها أزرق وتتوسطها دائرة بيضاء عليها صليب أحمر، وقال إنها تحوي بعض أدوات الإسعاف الأولي، انتابني شعور مقبض بأن هذه الطائرة واقعة لا محالة، وأنني فيها ميت لا محالة

طارت الطائرة الصغيرة فوق الصحراء التي بدأت بمجرد الخروج من العاصمة السودانية، واستمرت حتى وصولنا إلى نيالا، وعندها فقط بدأت بعض البقع الخضراء تظهر حول الأودية الجافة التي تحيط بالمدينة، ولما أصبحنا فوق المطار مباشرة، بدأت الطائرة تهبط هبوطا قاسيا من ارتفاع عشرة آلاف قدم، وشعرت أن قلبي ينخلع من صدري، وبأنني لا أستطيع التنفس، وفي الألف القدم الأخيرة قبل الأرض اعتدلت الطائرة فجأة وبدأت تدور حول المدينة دورة واحدة تهبط بعدها على الممر الوحيد لمطار نيالا من طرفه الشرقي

كانت تجلس أمامي سيدة ألمانية قصيرة وممتلئة ووجهها الأشقر قد لوحته الشمس وأكسبته لونا أقرب إلى البني المحروق، هذه السيدة التي لم تتوقف عن الكلام طوال الرحلة قالت إن هذه الطريقة الغريبة في الهبوط تهدف إلى تفادي الطيران على ارتفاع منخفض فوق مناطق نائية، لأن احتمال إسقاط الطائرة ببندقية عادية يكون عندها قائما

ودارت الطائرة فوق المدينة دورة عرفت منها أن أعلى بناية في المدينة مكونة من أربع طوابق، وهي بناية وحيدة، أما بقية المباني فأغلبها من طابق واحد كلها مكون من بيت حوله خلاء يحيط به سور، أما نيالا فشوارعها ضيقة

نزلنا إلى أرض المطار وكان الجو ساخنا بشكل مؤلم، تكاد تشعر وأنت تمسح العرق عن جبهتك بأن جلدك سينسلخ، وتوجهنا إلى بوابة إليكترونية صفرت لدى مرور كل راكب من ركاب الطائرة السبعة، ومع ذلك لم ينتبه لنا أحد، وظل رجل الأمن الوحيد بصالة الاستقبال في المطار الصغير جالسا في مكانه، أو بالأحرى نائما في مكانه

وكانت مسؤولة اليونيسيف التي سهلت لي أمر الحصول على إذن الدخول إلى دارفور، وهي أمريكية إيرانية اسمها روشان كاديفي، قد حذرتني ما لا يقل عن عشر مرات من أن الاستخبارات السودانية ستقابلني لحظة وصولي إلى المطار، وأنني سأمر بإجراءات أمنية لم أر مثلها في حياتي، بل إنها حذرتني من أن عناصر الاستخبارات سيحاولون الاستيلاء على النسخة الأصلية لتصريح دخولي إلى دارفور، وهو السبب الذي جعلني أحتفظ بعشرين نسخة من التصريح المكون من ثلاث ورقات في حقيبة يدي

ولكنني لم أستخدم النسخة الأصلية، ولم أستخدم أيا من النسخ الأخرى، ببساطة لأن أحدا لم يستوقفني أو يطلب مني شيئا، وكان الإجراء الأمني الوحيد الذي مررت به هو قدم رجل الأمن النائم في صالة المطار التي مدها في طريقي أثناء محاولته الانقلاب على جانبه خلال نومه، وكان التوقيت حاسما، فجاءت قدمه بين قدمي مباشرة أثناء سيري بسرعة وهو ما أدى إلى سقوطي على وجهي كاللوح يهوى إلى الأرض دون أن ينثني

قمت ونفضت عن نفسي تراب الأرض الذي علق بملابسي، ورحت ألملم أشيائي وأنا أنظر إلى هذا النائم بغيظ كظمته بسرعة لألا يستيقظ ولا يعتذر، وإنما يسألني عن التصريح وتنكشف اللعبة وأنتهي سجينا في آخر بلاد المسلمين (حقيقة جغرافية) بينما تدور في رأسي صور متقاطعة لرحلتي الأولى التي استقبلتني فيها العاصمة الجزائرية استقبالا يليق بكبير أو أمير، بينما استقبلتني نيالا بفتور لم يكشف عن وجهها الحقيقي الذي تكشف من تحت التراب يوما بعد يوم عن مدينة تشعر بعد مرور السنوات أنك تركت فيها من قلبك ما يجعلها.. وطنا

Sunday, September 16, 2007

بلال فضــــــــل


دراسة قصيرة في الفارق بين الكتابة والكتوبة


لاحقة (جي) في كلمة (كاتوبجي) هي لاحقة تعني المحترف، وهي في اللغة المصرية الدارجة أصبحت قاصرة على مهن تخلو من القيم وتقتصر على الحرفة فقط، فالكفتجي هو محترف تصبيع الكفتة، و الجزمجي هو محترف صناعة وإصلاح الأحذية والكاتوبجي هو محترف الكتوبة، وهي في العامية تعني لصق الأحرف في بعضها لتصير كلمات لا يشترط فيها المضمون بشرط لضم الحروف وفكها

ومثال الكاتوبجي أسامة سرايا وممتاز القط وذلك النطع صاحب روزاليوسف، وكلهم منجَد من الطبقة الأولى، بمقدوره أن ينَجد لحافا من صفحتين يدرك وندرك ويدركون أنه محض إفك وتزييف ومغالطة، أما صنعة الكتابة فلا غبار عليها، وبإمكان بعض الكاتوبجية أن يصبحوا كتابا عظاما لو خلصت نيتهم لوجه الجمال والخير والحق

يمتلك بلال فضل القيم التي تؤهله لأن يكون كاتبا ولأن يكون الكاتب فيه كبيرا، وأنا أعلم أنه لا يحب تسمية الكاتب الكبير لأنها التصقت بكاتوبجية لهم بدل الباع باعين في صنعة النفاق، وهي صنعة لو تأسست لها نقابة لصارت النقابة الأقوى والأكبر في مصر، فنحن في عصر اتسعت فيه دائرة النفاق حتى شملت الحاكم والمحكومين والنخبة المثقفة

لدى بلال مؤهلات تحميه من رئاسة أي تحرير، ومن جائزة الدولة التشجيعية والتقديرية وجائزة الرئيس مبارك وكافة الجوائز التي أفسدت المثقفين وأصبحت علامة تميز المرضي عنهم من المغضوب عليهم، ولك أن تتصور أن يرضى عنك هذا النظام لدرجة أن يقدر أدبك ويعطيك جائزة تشجيعية تشجعك على نفاقه حتى تحصل على التقديرية التي تقدرك على الانبطاح الكلي فتحصل على جائزة الرئيس مبارك في النهاية ولا حول ولا قوة إلا بالله


وهو محصن أيضا ضد استضافة تليفزيون الدولة له، ومن حسن طالعه أنه لن يكون أبدا ضيفا على برنامج البيت بيتك، كما وأنه وهو الكاتب الأعلى روحا في مصر لن يجد مكانا يكتب فيه في أي صحيفة قومية من تلك التي تنفق من مالنا الذي نطفحه ضرائبا ويبذلونه نفاقا وفشخرة وكذبا وتدليسا وخيابة يسمونها صحافة وما هي بصحافة وكتوبة يسمونها كتابة وما هي بكتابة

يمتطي بلال صهوة لغة قرآنية واضحة، بها جمال ورشاقة تصل به إلى هدفه في سرعة ودون كثير جهد، وبها طرافة وملاحة عزت علينا منذ زمن فافتقدناها، وأحيانا ما تتأبى عليه مطيته فتجنح به إلى عبارة قاسية أو إلى حكم أو تشبيه متسرع أو به خفة، ولكن ذلك ليس دليلا على الخفة والتسرع، وإنما هو دليل على النشاط الفائق والحماس الزائد لبلال ولغته

وكما المنطوق عند بلال يأتي منسابا مستقيما وجميلا في آن، يأتي منطقه متسقا ينضح ذكاءا وألمعية وحضورا، كما لا يغفل قارئه ولا يغلف عليه مقدار ما قرأ قبل أن يكتب

وهو فوق كل هذا وذاك شاب راسخ الجذر في مصريته، تكاد لألفتك به تتأبط ذراعه وتصحبه معك إلى بيتك، فهو أخوك أو صديقك لفرط قربه إلى نفسك، لا تشعر وأنت تتحدث إليه أو تقرأ مقالا له إلا وكأنك تستمع إلى صوت نفسك التي هي أدرى بنوايا نفسك الدفينة

لو بقي في مصر كتاب، فمن بينهم ومن صفهم الأول بلال فضل، وذلك حسبه لا حاجة له في شهرة لا تنفع وقرب لا يشفع ورضى لا يدوم، وليعلم أن ميزان التاريخ يميز الغث عن السمين والحر عن الزائف والطليق عمن هاجر وجاهد في سبيل الله بماله ونفسه، وهو أعظم درجة عند الله

Thursday, August 23, 2007

الحب في زمن الخطر

جنوب دارفور- نيالا-الخامس من أكتوبر 2006، منتصف الليل

الحب هنا أيضا مختلف، فالأنثى في حالة الخطر ليست كالأنثى في حالات الهدوء والاستقرار والدعة، وتلك التي تتهادى على وقع دقات كعوبها على الأرصفة الأسمنتية وتنتشي بزينتها وملابسها المتأنقة في السلم ليست كالتي تعمل في خيمة من خيام الصليب الأحمر بين القتلى والجرحى والدم والأشلاء، والإيقاع الوحيد الذي يحكم حركتها هو إيقاع طلقات البنادق وهزيم المدافع

شيء ما في امرأة الطوارئ يجعلها أكثر جاذبية، شيء ما في حذائها الرياضي البسيط وفي ملابسها التي تميل إلى الخشونة وفي حبات العرق النبيل الذي يسيل على وجهها وحتى في عصبيتها وحزنها مما تقاسيه يجذبك إليها

امرأة السلم لها أيضا سحرها، ولكن السحر بطعم الخطر ورائحة الخوف المثيرة له في القلب أثر مختلف.. ولا أذكر امرأة أثارتني كتلك الطبيبة التي كانت قد خرجت لتوها من غرفة الجراحة ووقفت أمام الباب تدخن بعصبية بينما تحجرت الدموع في عينيها وسال بدلا منها العرق الذي جمع شعرها الأحمر القصير في خصلات نثرت على جبينها في فوضى مبدعة، وكانت نيفين تقاوم البكاء بعد أن ماتت المولودة التي كانت تحاول تحريرها من رحم أم لم تبلغ بعد الخامسة عشرة

ماتت المولودة مختنقة، ولم تفلح محاولات نيفين في إنعاش قلبها الصغير، وانتهى بها الحال أمام غرفة الجراحة تبكي ولا تبكي، وتشعر بالذنب ولا ذنب لها، وتدخن سيجارتها بغضب لا أعرف إن كانت تدرك حقا على من توجه فوهته

هل يمكن أن تكون نيفين أكثر جاذبية في معطف من الفراء عنها في هذا المعطف الأبيض المخضب بدم الأم التي ما زال الجراحون يستكملون إسعافها بعد الولادة الفاشلة؟ هل يمكن أن يكون ذراعاها الذان غطاهما الزغب الرقيق أجمل إذا كان لديها من الوقت ما تنفقه في نزعه؟ هل كانت الأظافر الرطبة بفعل المطهرات ستكون أجمل لو توفر لها الطلاء؟ لا أعرف.. ولكنني أعرف أن جمالا ما يسكن هذا النمط من الفوضى والإهمال.. أعرف على وجه اليقين أنني سقطت في أسر تلك العيون الباكية بسرعة تزري بأي عيون نمقتها الماسكارا.. أعرف على وجه اليقين أن تلك الأصابع التي أوشكت على الاحتراق مع سيجارتها لهي أجمل عندي ألف مرة من الأصابع الناعمة المرفهة

فهمت الآن لماذا يصطحب بطل أفلام الحركة والإثارة معه فتاة جميلة، غالبا ما يكون دورها مقحما على الفيلم ولا حاجة إليه، إلا أن صناع هذا النوع من الأفلام يدركون جيدا كم ستكون هذه الممثلة مثيرة وجذابة عندما تبدأ المعارك ويتكاثر الأعداء وتضيق حلقات الخطر حول البطل وفتاته الرقيقة، وعندها سيرى الجمهور في الفتاة جمالها الذي تفجره ساعات الخوف ولحظات الترقب .. فلست وحدي الجمهور الذي يعشق جمال الأنثى تحت أضواء القصف والحرائق أكثر مما يعشقها تحت ضوء القمر

تحدثت إليها، وسرت الشرارة في الأرواح التي جففتها شمس دارفور القاسية بسرعة مخيفة، وارتفعت حرارة اللحظة فجأة وكأن الموقف لم يكن يحتاج أكثر من إشارة واهية ليلتهب بهذا الشكل الرائع.. ثمان وأربعون ساعة فقط فصلت بين عهد الحب الأفلاطوني وعهد الحب الآدمي، فقد انزاح أفلاطون وحبه عندما انزاحت التنورة الزهرية عن منابع الأنوثة الفائرة.. وأصبحت لغة العيون المتحرقة للحظة حب هي اللغة الرسمية لهذه العلاقة

نسيت أن أذكر، أو لعلها لذة الحبكة الأدبية فحسب، أن نيفين لا تفقه حرفا من أي من اللغات التي أتحدثها، وكذلك فإن معرفتي بلغتها التركية لا تتجاوز بضع كلمات، إلا أننا، وبحيلة بسيطة تمكنا من التواصل، فقد اتفقنا ضمنيا على تقول ما شاءت باللغة التركية على أن أرد أنا بالإنجليزية، وكلانا يصحب كلامه ببعض الإشارات ليصل المعنى، وأفلحت الحيلة إلى حد كبير، خاصة وأننا تجاهلنا تماما عائق اللغة الذي فقد مناعته حين تجاهلناه


أنا أيضا في حالة الطوارئ.. أنا أيضا بالنسبة لها رجل ساعات الخطر والإثارة والترقب.. وربما رأت هي أيضا في حقيبتي السوداء التي أحملها على ظهري، وفي قلمي المربوط في خيط إلى عنقي، وفي سراويل الجينز البالية، وفي شعري الطويل الذي تركت كل خصلة فيه على حريتها تذهب حيث شاءت، وفي نظارتي المنزلقة على وجهي المتعرق، ربما رأت في كل ذلك ما رأيت في فوضويتها المبدعة من جمال

أقول ربما لأنني لم أسألها، فلم أجد في لغة الإشارة البسيطة ما يكفي لمناقشة مثل هذه الأمور الفلسفية التي تضيع متعة الأوقات السعيدة أكثر من أنها مضيعة للوقت بشكل عام، ففضلت دون ذلك أن أتعمق في أفكار أخرى كفلسفة اصطكاك الأسنان بالأسنان أثناء التقبيل، وفي حكمة النظرة المثيرة التي تفصل دائما بين قبلتين أثناء وقفات التقاط الأنفاس، وفي عبقرية معارك الأصابع المتدللة المقاومة مع الأصابع النزقة المجتاحة


كنت أعرف أنها تكذب عندما وعدتني أن تزورني في مصر، وكانت بالتأكيد تعرف أنني أكذب عندما قلت لها أنني سأتبعها إلى حافة العالم لو كانت حافة العالم وجهتها

كنا نكذب، ونتحدث عن حب أبدي نعرف على وجه اليقين أنه مجرد حلم ليلة صيف، ينتهي بسرعة كما بدأ، ويعود إلى المجهول حيث أتى أول مرة، ولا يترك في الرأس سوى أثر رقيق يختفي مع اكتمال الإفاقة، ويعود طيفه إلى الذهن شفافا في استراحات القهوة، وفي لهب سيجارة آخر الليل... وهي أوقات مناسبة دائما أتحسر خلالها على أحلامي الصغيرة التي تراجعت عن مطاردتها.. وفضلت أن أبقى في مكاني حتى يدركني العمر، ويأتي من يهمس في أذني بشماتة: لقد حلت بك أشياء كثيرة، لكنك لم تفعل شيئا في حياتك

كنت أتمنى أن يأتي اليوم الذي أجلس فيه بثقة أمام شيخوختي وأقول بملء فمي: ها أنا أجلس وحيدا لا أملك شيئا، ولكنني سعيد.. قضيت حياتي في مطاردة فراشات أحلامي الملونة، وعلى قلة ما أمسكت من هذه الفراشات، فقد امتعني اتباع الحلم أكثر من تحقيقه، وكفاني أنني عشت الحياة بطريقتي

ولكن يبدو أن صورة الزمن الشامت في خيبتي ستكون هي المشهد الأخير في حياتي، فالفراشات تمر أمامي فرحة مرحة بينما أنا أقمع رغبتي الشديدة في العدو وراءها كالأطفال.. ما اللذي سيحدث لو أنني بالفعل صدقت، وتبعت الفتاة إلى حافة الدنيا؟ أي حساب للمكسب والخسارة يحرمني من بهجة الدخول في التجربة، ولا فارق ان نجحت أو فشلت؟ أليست الحياة في قفص من ذهب والموت على فراش من ذهب أقل متعة وجاذبية من الحياة في البرية والموت على قارعة الطريق؟

حيرني التفكير فسألت صديقتي الفنلندية العجوز عن أي الطريقين أسلك، طريق صيد الفراشات أو طريق الاكتفاء بمشاهدتها، فجاءت الإجابة القاطعة... العمر قصير، وحتى هذا العمر القصير، نعيشه مرة واحدة

أستمع إلى كاتي وصور كل امرأة ذرفت على كتفي دموع الفراق على أمل اللقاء على "حافة العالم" تمر أمامي متسارعة، ولو كنت أملك قلبي لقسمته على كل عاصمة زرتها لأرضي جميلة هنا وجميلة هناك، ولما جلست على الحشيشة الخضراء كالمشلول المقعد أشاهد مسرح الحياة ولا أشارك فيه ولو بدور هامشي

بعـــــــــــــد أيـــــــــــــــــــــــــام

تمر أيامي الأخيرة بتوقيتين، توقيت المشفق من مرور الوقت الذي لم يبق منه سوى عشرة أيام تغادر بعدها نيفين إلى بلادها بلا رجعة، وتوقيت الملول الذي يشعر أن الأيام تمر عليه بطيئة كسولة في انتظار العودة إلى الأهل والوطن... تضارب عجيب، فاللحظة التي أستمهلها هي ذاتها اللحظة التي أستعجلها.. واليوم الذي أعد ساعاته دقيقة دقيقة هو ذاته اليوم الذي أراه يفر على شاشة العداد العكسي فينقبض قلبي في مكانه

نحن الآن في شهر رمضان، واليوم مقسوم بطبيعته إلى ما قبل الإفطار وما بعده، كما أنه مقسوم بطبيعة الطوارئ التي تحكم دارفور إلى ماقبل حظر التجول وما بعده، ولما كان حظر التجول يبدأ في الحادية عشرة، بينما يؤذن إلى المغرب في الثامنة، ولما كانت هناك مخاطرة كبيرة جدا في الخروج بعد الحادية عشرة، فبحسبة بسيطة تتبين أن اليوم قد اختصر زمنه إلى ساعتين ونصف الساعة، وربما ثلاث ساعات على أفضل تقدير على اعتبار أننا نقضي تلثي اليوم الأولين في العمل

نيفين من إديرنة، وهي مدينة صغيرة تقع في الجانب الغربي من تركيا، أي في الجانب الأوروبي من البلد، وهي بالتالي مدينة تحكمها الطبائع والعادات الأوروبية التي تسمح لها باتخاذ صديق، ولكنها تمثل بثقافتها أقلية بين أبناء الجزء الشرقي الذي يميل إلى المحافظة، ويضع اعتبارا للقيم التقليدية ككلام الناس وسمعة الفتاة وسيرتها

ولهذه الأسباب اصبحت فرصتي لبناء علاقة سوية متماسكة بنيفين أشبه بمحاولة المرور من ثقب إبرة، فكلتاهما في عداد المستحيلات، إلى جانب أنني اضطر لاصطحاب إحدى زميلاتي ككموفلاج يستر الصورة الاجتماعية التي يعرف جميع سكان بيت الأتراك أنها مخترقة، وأنه لم يبق منها سوى النفاق الذي يرضي الشرقيين في غالب الأحيان أكثر من الحقائق

اصطحابي لزميلة من زميلاتي بما فيهن من صفات أكرهها عبء مزعج، ولكنني كنت أتحمله لأن البديل الآخر هو أن تخرج معي نيفين مصطحبة زميلة لها في الخمسين تدعى إمامة، وهي وكالة أنباء تمشي على قدمين، ولا تنفك تدس أنفها وتبدي رأيها في كل صغيرة وكبيرة، خاصة وبالتحديد إذا كانت هذه الصغائر والكبائر لا تخصها، ولكن عيبها الذي لم أطق له احتمالا هو انها تتحدث العربية، حيث أنها تسكن أنطاكية على الحدود التركية السورية، وهو عيب يفسد علي محاولة تواصلي مع نيفين التي استمتع فيها أكثر ما أستمتع بأنني لا أفهم لغتها، وبأنها لا تفهم لغتي

إمامة تتطوع بالترجمة في أوقات تتعمد أن تكون غير مناسبة، كأن أكون قد فهمت رطانة نيفين بشكل ما، فتحولها بالترجمة إلى معنى آخر أقل رومانسية أو العكس، وفي الوقت الذي أحتاج فيه إلى الترجمة تتشاغل إمامة بشيء آخر غير الحديث، وبالطبع أحيانا ما كانت تستغل معرفتها باللغة التركية في قيادة الحديث في الاتجاه الذي يحلو لها، ثم يتحول الحديث إلى حوار ثنائي بينها وبين نيفين أقوم أنا فيه بدور المتفرج المبتسم ابتسامة الضيف الذي أدرك أنه غير مرغوب فيه... وكان التصميم الهندسي لعيني إمامة في منتصف وجهها الذي يرتكز على عنق دقيق، والذي يشبه في فائدته العملية التصميم الهندسي لرأس البومة، يساعدها على إحباط محاولاتي لحك ساق نيفين، أو محاولات نيفين للإمساك بيدي من تحت الطاولة


افضل الأوقات كانت دائما تلك التي قضيتها في التحاور مع نيفين على الإنترنت، فقد كانت زميلتها جامزي، الطبيبة التي تسكن إديرنة أيضا، تقوم بالترجمة بيننا من وإلى الإنجليزية، والأسباب وراء استمتاعي بهذه الدردشة كثيرة، فأولا هذه هي الحوارات الوحيدة بيننا التي أفهمها وتفهمها نيفين بالكامل، وثانيا أنها تجري في الأوقات المحرمة أي بعد حظر التجول مما يجعلها إضافة إلى اليوم القصير

إلى جانب ذلك فإنني أحقق من ورائها متعة مزدوجة عندما أتخيل أن جامزي، التي تتمتع بقدر فائق من الجمال المثير، تستمع وتترجم همساتي الرومانسية لزميلتها، بينما أتعمد أن تكون هذه الهمسات على أفضل ما أملك من الحلاوة والرقة وأحيانا من التلميحات الجنسية المكشوفة.. بل أن نرجسيتي تصل إلى قمة النشوة عندما أقول لنيفين أن لا امرأة أخرى تضاهيها جمالا وجاذبية، متمنيا أن تثير كلماتي الغيرة في نفس جامزي كما تثير الغرور في نفس نيفين

ولم يخل الأمر أيضا من بضع مرات استفدت فيها من برودي الفطري بأن ذهبت منفردا إلى بيت الأتراك وقلت لأول من يقابلني، شرقيا كان أو غربيا، أن ينادي نيفين لأننا على موعد، خاصة إحسان، الشاب الخجول الذي لمحت في عينيه اعجابا خاصا بنيفين أثار غيرتي، وكم كانت متعتي تتضاعف عندما يكون إحسان هو الشخص الذي يناديها، والذي يراها وهي ترمي بنفسها في صدري بسعادة لا أظنه يخفق في قراءة معانيها

وسارت العلاقة على ما يرام، نسبيا وبالنظر إلى الظروف، ولم يكن ينغصها سوى فكرة العد العكسي التي كانت نيفين تعبر عنها بالإشارة بأصابعها العشرة منقصة منها إصبعا كل يوم، وكان هبوط إصبع يضيف إلى خطوط الحزن والقلق على وجهها خطا جديدا، ويضيف إلى جنوني بها حلقة جديدة، ولا بأس أيضا بالأحلام المستقبلية التي كانت تزداد بهاء كلما مرت الأيام واقترب الموعد الذي كان لا بد آت


جنوب دارفور- نيالا- الحادي عشر من أكتوبر 2006

وانتهت الأيام، وهبطت كل الأصابع، وجاء اليوم الأكثر إيلاما.. يوم المطار.. ذلك اليوم الذي أضطر أن أقف فيه أمام الأعزاء لأودعهم وأغلب ظني وظنهم أنه الوداع الأخير، وأنا أفضل أن أقف أمام قطار مسرع على أن أقف أمام حبيبة تبكي دموع الوداع.. خير لي أن تنشق الأرض وتبلعني على أن أردد عبارات المجاملة السخيفة التي تفيد بأن العالم صغير وأننا لا نعرف كيف يمكن لصدفة طائشة أن تجمعنا في مكان ما من هذا العالم

قضينا نصف الليلة الأخيرة على صخرة ناتئة تقع على الجانب الآخر من الطريق أمام قصر يلدز.. جلست ملتصقا بنيفين بينما ظلت جامزي تدور حولنا حاملة كاميرتها التي لا تفارقها، وتلتقط صورا لنا تحاول أن توثق بها تلك اللحظات التي لن تتكرر

لا أتصور أن تلك الصخرة على أطراف مدينة نيالا سوف تجمعني بنيفين وجامزي وسميرة وجنيد وإبراهيم وإمامة.. حتى إمامة الكريهة بدت في تلك اللحظة المكثفة شخصا عزيزا.. ولعله تأثير العرق الذي شربنا منه كمية كبيرة في محاولة بائسة للتغيب عن تفاصيل تلك الليلة المؤلمة

تماسكت عن البكاء في المطار بصعوبة شديدة، فلم أكن أريد أن أتسبب في مزيد من الألم لنيفين التي تشي عيناها بأنها لم تنم طوال الليل من شدة البكاء، وكنت أمازحها طيلة وقت الانتظار الذي قضيناه في مطار نيالا، وكنت في الوقت نفسه أتفادى النظر إلى إحسان الذي كان ينتحب كالأطفال ويتعمد أن يفعل ذلك أمامنا مباشرة، ولم يكن منظره يثير في نفسي الشفقة كما كان يثير فيها السخرية، فنيفين ليست جولتي الأولى معه، وقد انتهت جولتي السابقة معه في نفس الميدان، مطار نيالا، وكم أشبهت الليلة البارحة، هو يبكي وأنا أحتضن فتاة تبكي فراقي.. وكأنها مسرحية نؤديها كل ليلة، وينسدل فيها الستار على بطل منتصر وشهيد مهزوم

وعندما غابت نيفين وراء البوابة الإليكترونية، واعتقدت أن من حقي حينها أن أبكي، أطلقت العنان لدموعي التي أمسكتها طويلا فسالت حارة مؤلمة... انهار تماسكي دفعة واحدة، وطاف شريط الذكريات القصير أمام عيني دفعة واحدة.. ولم أملك إلا أن أستدير وأتجه إلى السيارة التي ستقلني إلى المسكن، وقد أغرقت دموعي وجهي وانهمرت علي نظرات الشفقة والتعاطف والتعجب من كل جانب


وألقيت نظرة أخيرة على إحسان الذي بدأ يكفكف دموعه ويستعد هو الآخر إلى الرحيل، وكأنه ظن أنني أعني بنظرتي: "إلى اللقاء ههنا في معركة جديدة"، بينما لم أكن أقصد أكثر من أن أقول له إننا في الهم سواء، ويبدو أن الدموع في عينينا حرمتنا راحة هذه النظرة المتعاطفة